الضربة القاضية لإبليس على يد ابن سمعون

 سيمينار
من أعجب المناقشات العلمية
حلقة نقاشية مَنامِيِّة
بين إِمَامَيْن وإبليس
في أخطر وأهم قضية




قال الإمام يحيى بن هُبَيْرَة بن محمد بن هبيرة الذهلي الشيبانيّ، أبو المظفر، عون الدين (المتوفى: 560هـ) :

" رُوِيَ عن ابن سمعون رحمه الله – هو الإمام أبو الحسين محمد بن أحمد بن إسماعيل بن عنبس البغدادي وسمعون: هو لقب جده إسماعيل. (المتوفى: 387هـ)
أنه قال: رأيت إبليس -لعنه الله- في المنام على صورةٍ -كَنَّى عنها-. قال ابن سمعون: وكنت قد سمعت عن إبليس أنه قال:
عَلَامَ يَلومُني اللَّائِمون، وإنما الْمَعصيةُ وَصْفِي ، والرَّحمةُ وَصفُه ، فَأَتَيْتُ وصفي؛ وتَعَلقْتُ بِوَصفِه؟
قال ابن سمعون: فسألته في المنام عن هذا الكلمات التي بلغتني عنه في اليقظة.
قلت له: أأنت قلت هذا الكلام؟
فقال: نعم.
 فقلت له: هذا من جهلك يا جاهل.

ثم تجاوز ابن سمعون إلى باقي الكلام في المنام.

 فقلت أنا- أي ابن هبيرة - : ما الذي أنكر ابن سمعون على إبليس من هذه الكلمات، وظاهرها فيه رَسُومَة (أي تأثير في مسامع الناس ).

 فنظرت فإذا إنكار ابن سمعون في موضعه.

 وذلك أن قول إبليس : (المعصية وصفي والرحمة وصفه)، فإنه جيء بهذا القول من حيث إنه ظَنَّ أنه فَلَجَ (فاز وظفر) بِالْحُجَّة .
لأني قلت له - ومَثَّلْتُهُ كأنه جالسٌ بين يدي- :
يا عَدُوَّ الله ، ما وَصْفُكَ إِلَّا الْمَعصِيَة خاصَّة ؟
أَوَ لَيْس مِنْ وَصفِكَ الطاعة أيضًا ؟
 وَرَبُّك ، أليس من وصفه الانتقام أيضًا كما من وصفه الرحمة ؟
 فَلِمَ اخترت لِرَبِّك من وَصْفَيْكَ أَقْبَحَهُما ؟
 واخترت لنفسك من وَصْفَيْ رَبِّكَ أَرْفَقَهُما ؟
 فحينئذ قاتلك الله، لو أن الخلق يقتدون بك لَمَا كان يكون لله سبحانه على وجه الأرض طائع، ولا من انتقامه خائف.

 فعرفت أن ابن سمعون إنما أنكر عليه في موضعه.

ثم ذكر ابن سمعون بَقِيَّةَ المنام فقال:

 إني قلت له: يا جاهل ، تَدرِي أَيَّ عذابٍ أَنْتَ مُعَذَّب؟
فقال لي: نعم
 فقلت له: بأي عذاب أنت معذب؟
 فقال: بعذاب المخالفة
 قال: فقلت له أيضًا: وهذه أيضًا مما تدل على زيادة جهلك .
 أَمَا مَا خَالَفَهُ غَيْرُك ؟ أَمَا خَالَفَهُ آدم فتاب عليه واجتباه وهداه ؟
 قال: فقال لي –أي إبليس - فبأي عذاب أنا معذب؟
 قال: فقلت له: أنت معذب بعذاب المقت.
قال: فصرخ صرخة فاستحال قِرْدًا .
قال: ثم قلت له: إنما سُمِّيتَ إبليس ؛ لأن اشتقاق معناك كان مودعًا في نسمتك - أو نحو هذا الكلام.
 قال: فقال لي: شيخ، فماذا يكون تدبيري؟
قال: فقلت له: يا هذا تَنَزُّلُكَ مَعَ أَمْرِه ، وَتَسَلُّمُكَ إلى حُكْمِه.
قال: ثم قلت له: يا جاهل، يا عديم العلم ، لَأَجْهُلُ مِنْكَ مَنْ ظن أنك شَمَمْتَ ريح العلم، أَلَيْسَ بلغ من جهلك أنك لما قال لك ربك اسجد لآدم أَبَيْت ؟
 ثم عَلَّلْتَ إِبَاءَكَ أَنْ قلت: " أنا خير منه، خلقتني من نار وخلقته من طين ".
 وَيْلَك . بَلَغَ من أمرك أنك تُسَوِّي أنت لربك تدبيره وتُتِمَّ لَهُ أموره.

قلت أنا - أي ابن هبيرة - عند هذا الكلام : يا جاهل، أنت بزعمك خَيْرٌ من آدم جِنسًا - في ضمن اعتراضك هذا-  ومِمَّنْ هو خيرٌ تدبيرًا.

قال ابن سمعون: فاستخذى واستسلم.
 ثم قال لي بعد ذلك: يا شيخ ، اتركني وأهل البدع .

 ثم انقطع مَنَامُ ابن سمعون.

* فرأيت أنا - أي ابن هبيرة - في المنام شرح الحال
أنه قال له:  ( دعني وأهل البدع )، أن معناه :
 أنه أراد أن أهل البدع يأتون ما يأتون من مساخط الله –سبحانه- في مقام لا يتوبون منه ، ولا يعتذرون عنه .
 فأراد الفاسق - يعني إبليس - من ابن سمعون أن لا ينبه على ما عليه أهل البدع من الضلالة ، ظنا منه أن ابن سمعون قد بلغ بغضه لأهل البدع وشنآنه إياهم إلى الحد الذي لا يستنقذهم بعمله من يده، فيتركهم معه.

* وكان مقام ابن سمعون - رحمه الله - وإن كان لَهُمْ – أي أهل البدع - مبغضًا من حيث البدعة؛ فإنه لهم راحمًا من حيث المعرفة.
 فهو يحرص على هداهم.

 فقد كان الإمام أحمد - رضي الله عنه - أَعْلَى مقامًا من ابن سمعون حيث كان من دعائه: (اللهم ما كان من هذه الأمة على غير الحق وهو يظن أنه على الحق فرده إلى الحق حتى لا يضل من هذه الأمة أحد)" راجع  كتاب / الإفصاح عن معاني الصحاح/5/380. لابن هبيرة.

قلت : رحم الله علماء وأئمة سلفنا الصالح ، وغفر لنا جهلنا بعلومهم وجهودهم ، وقيض لهذه الأمة من يظهر كنوزها المكنونة للعالم بفهم ووعي صحيح.

د/ محمد سعد قاسم
2017/9/12

0 التعليقات:

إرسال تعليق

سؤال عن العلقة السوداء

  سؤال عن العلقة السوداء قال ابن السبكي في "التوشيح": سمعت الوالد يقول وقد سئل عن  العلقة السوداء التي أخرجت من قلب النبي صلى ال...